معالي الوزير الموقر مصعب نزال العلي،
أصحاب السعادة الوزراء والسفراء ورؤساء الوفود الموقرون،
صديقي أدهم إسماعيل، الموظف المسؤول عن المكتب الإقليمي،
زملائي وأصدقائي الأعزاء،
دعوني أتوجه بشكري إلى الدكتور أدهم وإليكم جميعاً على تقديركم ودعمكم الكريمين للغاية اللذين يبعثان في نفسي الشعور بالتواضع والفخر في آن معاً.
وأتوجه بشكري أيضاً إلى مصر حكومة وشعباً على استضافتها للمكتب الإقليمي لشرق المتوسّط، وعلى التزامكم الراسخ دوماً بصون الصحّة ودعمكم للمنظّمة.
كما أهنئ مصر تحديداً على تمكنها من الحفاظ على مركز "المستوى الذهبي" في سعيها إلى التخلّص من التهاب الكبد C، وأتطلع إلى تسليم شهادة التحقق رسمياً من تخلّصها من هذا المرض إلى معالي الوزير عبد الغفار يوم غد.
وأود كذلك أن أتوجه بشكري إلى الدكتور أدهم إسماعيل على توليه لمنصب الموظف المسؤول عن المكتب الإقليمي، فهو يؤدي عمله على أكمل وجه، ولست متفاجئاً من توليه لهذا المنصب.
وأنا أتطلع إلى العمل معه، وأؤكد له ولموظفي المكتبين الإقليمي والقطري دعمي المتواصل لهم.
كما أدرك أن العام الماضي كان حافلاً بالتحديات بالنسبة للإقليم والعالم أجمع.
فهذا الإقليم يشهد نزاعات أكثر من أي إقليم آخر، جنباً إلى جنب مع الطوارئ الصحّية والإنسانية التي تُخلفها هذه النزاعات، مثلما ذكر الدكتور أدهم آنفاً.
وقد تعرض قطاع الرعاية الصحّية للهجمات في حد ذاته.
وسجل هذا الإقليم هجمات على المرافق الصحّية والعاملين الصحّيين والمرضى أكثر من أي إقليم آخر.
علماً بأن المستشفيات وسيارات الإسعاف والعاملين الصحّيين محميون بموجب القانون الإنساني الدولي، ويجب ألا يُستهدفوا بأي حال من الأحوال.
كما تأثرت معظم الدول الأعضاء بشكل أو بآخر، وما زالت تعاني من هذه الآثار.
وتواصل المنظّمة بذل قصارى جهدها في الكثير من بلدانكم لدعم النظم الصحّية والخدمات الصحّية والعاملين الصحّيين، وتسليم الإمدادات الصحّية.
وظلت كذلك فرقنا القطرية العاملة في كل من غزة والسودان واليمن ولبنان وأفغانستان وغيرها في تلك البلدان وحرصت على تقديم خدماتها فيها معرضة نفسها لمخاطر جسيمة في أغلب الأحيان.
وبذا أتوجه بشكري إليهم وإلى العاملين الصحّيين في هذا الإقليم الذين يواصلون تقديم الخدمات في ظل توقف كل شيء آخر عن الحياة.
ولكن أكثر ما يلزم الإقليم هو جانب لا تستطيع منظّمتنا منحه إياه: ألا وهو السلام.
لأن السلام هو أفضل دواء.
وإضافة إلى الآثار التي تخلفها النزاعات، فقد تأثرت أيضاً بلدان كثيرة بتخفيضات مفاجئة وحادة في التمويل.
ويفيد تقرير المدير الإقليمي بتأثر 2000 مرفق تقريباً من المرافق الصحّية في جميع أنحاء الإقليم.
واستجابة لذلك، فإن المنظّمة عاكفة على تزويد البلدان بالدعم اللازم لتجاوز هذه الأزمة من خلال التحول من مرحلة الاعتماد على المساعدات إلى مرحلة التمتع بالسيادة في مجال الصحّة رهناً بتوافر الموارد المحلّية.
وهذا المحور هو أيضاً محور تركيز مبادرة "أكرا لإعادة التشكيل" بقيادة معالي الرئيس جون ماهاما، رئيس غانا.
وستنظر هذه اللجنة في قرار بشأن تمويل الصحّة من أجل تعزيز الحماية المالية.
وهو قرار يُجسّد السيادة في مجال الصحّة من الناحية العملية عن طريق: توظيف المزيد من الاستثمارات المحلّية في مجال الصحّة، وتمويل الرعاية الصحّية الأولية في المقام الأول، وحماية الأسر من تكبد تكاليف كارثية.
وأتوجه بشكري إلى مصر وعمان على تشاركهما في رئاسة فرقة العمل الإقليمية المعنية بتمويل الصحّة، وأشجعكم على اعتماد القرار.
كما أعرب عن ترحيبي بالتقدم المُحرز في مجال وضع آلية إقليمية للمشتريات المُجمّعة تقودها الدول الأعضاء وتمسك بزمامها.
فتجميع الطلبات وسيلة عملية لتخفيض الأسعار وتأمين تسليم الإمدادات وتقليل معدلات الاعتماد على المساعدات.
ورغم هذه الضغوط، يواصل الإقليم إثباته لقدرته على الاستفادة من كل الإمكانات المتاحة.
وأتقدم بالتهاني كذلك إلى ليبيا وتونس اللتين انضمتا إلى مصر في التخلّص من التراخوما بوصفها من مشاكل الصحّة العامّة؛ وإلى والكويت وقطر على نجاحهما في وقف سريان الحصبة والحصبة الألمانية؛ وإلى المغرب أيضاً على تمكنه من مكافحة التهاب الكبد B.
وإن القرار المعروض عليكم بشأن نهج التخلّص من الكثير من الأمراض السارية يمكن أن يسرّع عجلة إحراز هذا التقدم - وذلك عن طريق دمج البرامج الصحّية عبر أنحاء الرعاية الصحّية الأولية ككل عوضاً عن مكافحة مرض واحد في كل مرة. وبذا فأنا أشجعكم على اعتماده.
كما يجب علينا إتمام مهمتنا في مجال القضاء على شلل الأطفال.
فأفغانستان وباكستان هما آخر بلدان ما زالا موطونين بفيروس شلل الأطفال البري، وباتت الآن معدلات سريانه فيهما تحت قبضة أكثر إحكاماً ممّا كانت عليه منذ سنوات.
وتظل المرحلة الأخيرة هي الأصعب دوماً. وبدوري أطلب إلى الحكومتين وجميع الجهات الشريكة أن تواصل سيرها على هذا المنوال لكي لا يُصاب أي طفل بعد الآن بالشلل بسبب شلل الأطفال في أي مكان.
ورغم أن الآثار التي خلفتها تخفيضات التمويل على البلدان هي مصدر قلقنا الأكبر، فإن العام ونصف العام الماضيين كانا حافلين أيضاً بالتحديات بالنسبة للمنظّمة في حد ذاتها، مثلما تعلمون.
فقد أجبرتنا التخفيضات المفاجئة في تمويلنا على تقليص ميزانيتنا وتعداد قوتنا العاملة.
وساور العديد من الأصدقاء والشركاء قلق فعلي حيال مستقبل المنظّمة.
وطالما اعتقدتُ أن أكبر خطر يهدد المنظّمة هو ليس فقدان التمويل، بل فقداننا لنزاهتنا. فالتمويل أمر يمكن تداركه، ولكن فقدان النزاهة هو الأصعب لا محالة.
وهو الخيار الذي واجهته المنظّمة، وقد اخترنا حماية نزاهتنا، والاستعانة بالحقائق العلمية، وإدارة التداعيات المالية.
وأودّ أن أؤكد لكم أننا قد وصلنا الآن إلى مرحلة من الاستقرار - وإن كانت هناك طبعاً بعض المجالات التي ما زالت تعاني من نقص التمويل، مثلما ذكر الدكتور أدهم - ونحن ماضون قدماً في تعزيز قدرة منظّمتنا في مجال التركيز على إنجاز عملها بكفاءة استعداداً لخدمة الدول الأعضاء.
وقد أسهمت الزيادتان الأوليان في الاشتراكات المقدرة في تخفيف وطأة الآثار التي خلفتها تخفيضات التمويل التي شهدناها، وانسحاب الولايات المتحدة من المنظّمة. ولولا تلكما الزيادتان، لكنا الآن قد فقدنا عدداً أكبر بكثير من الزملاء.
لذا أود أن أشكركم على دعمكم، وخصوصاً في مجال زيادة الاشتراكات المقدرة.
وفي الواقع، فقد تأتت معظم الوفورات التي حققناها من تخفيض النفقات من قمة الهرم الإداري، وذلك بتقليص عدد المديرين العامين المساعدين إلى النصف، وعدد المديرين كذلك إلى النصف تقريباً.
ونحن نتمتع الآن فعلاً بموقف أقوى طبقاً للعديد من المقاييس.
فقد زادت احتياطياتنا الآن إلى ضعف ما كانت عليه عندما تقلدت منصب المدير العام، وزادت كذلك ميزانيتنا بنسبة 23٪، كما تمكنا من تأمين نسبة 95٪ من الموارد التي تلزمنا في هذه الثنائية، ولكن بعض المجالات ما زالت تعاني من نقص التمويل مثلما ذكرت سابقاً.
ولابد من الإشارة في الوقت نفسه إلى أن المنظّمة لا تمثل سوى جزءاً واحداً من البنية الهيكلية الأوسع نطاقاً للصحّة في العالم.
فقد كشفت الصدمات المشهودة في مجال التمويل خلال العام الماضي عن مواطن ضعف في كل أنحاء هذه الهيكلية، وما عاد تجاهلها ممكناً بعد الآن.
كما كلفت الدول الأعضاء الأمانة، أثناء انعقاد جمعية الصحّة العالميّة في أيار/ مايو الماضي، بمهمة استضافة عملية مشتركة لإصلاح البنية الهيكلية للصحّة في العالم تركز على البلدان وتتسم بالشمولية والشفافية.
وقد شُكّلت الآن فرقة عمل ستعدّ تقريراً عن الموضوع في وقت لاحق من هذا العام.
ويجب أن يدلي هذا الإقليم، الذي يستأثر بحصة كبيرة من الاحتياجات الإنسانية في العالم، بدلوه في تشكيل عملية الإصلاح هذه.
===
وكما تعلمون، ومثلما ذكر الدكتور أدهم آنفاً، فإن هذا الاجتماع هو آخر اجتماع أحضره في اللجنة الإقليمية بصفتي مديراً عاماً للمنظّمة قبل أن تنتهي ولايتي في آب/ أغسطس من العام المقبل.
وأود أن أتقدم إليكم في عامي الآخير هذا بأربعة طلبات خاصة.
فأطلب إليكم أولاً أن توافقوا على الزيادة المقبلة في الاشتراكات المقدرة أثناء انعقاد جمعية الصحّة العالميّة في العام المقبل.
فقد أسهمت الزيادتان الأوليان في تعزيز قدرة المنظّمة على الصمود وعززت استقلاليتها، كما أسهمتا في تخفيف أثر تخفيضات التمويل، ويجب علينا أن نواصل سيرنا على هذا المنوال.
وستكون موافقتكم على هذه الزيادة المقبلة في الاشتراكات المقدرة خلال أيار/ مايو 2027، جنباً إلى جنب مع الزيادتين اللتين وافقتم عليهما في عامي 2023 و2025، بمثابة هدية قيّمة تقدمونها للمدير العام القادم، أياً كان.
وثانياً، أطلب إليكم تعزيز العمل الشاق الذي أنجزناه أثناء الاضطلاع بعملية التحول وعملية تحديد الأولويات وإعادة التنظيم لكي تتمتع منظّمتنا بوضع أفضل يمكنها من خدمة الدول الأعضاء استناداً إلى مبدأي الحيادية والإنصاف وفي إطار التركيز على النزاهة.
وثالثاً، أطلب أليكم أن تشاركوا بفعالية في عملية إصلاح البنية الهيكلية للصحّة في العالم.
ورابعاً، أطلب إليكم إتمام المفاوضات المتعلّقة بملحق إتاحة المُمْرضات وتقاسم المنافع لكي يتسنى البدء بعملية التصديق على اتفاق المنظّمة بشأن الجوائح ويدخل حيز النفاذ في نهاية المطاف.
وأخيراً، أطلب إليكم أن تختاروا السلام.
وكنت، عندما تحدثت أمام هذه اللجنة لأول مرة في باكستان خلال عام 2017، قد زرت اليمن في وقت قريب وقلت حينها إن الحل الوحيد هو الحل السياسي.
والآن وبعد مرور تسع سنوات، يظل هذا الأمر سارياً - سواء في اليمن أم في الكثير من بؤر التوتر الأخرى في الإقليم.
فنشوب الصراعات ليس حتمياً، ولكن نهايتها حتمية – لأن كل صراع يحمل في طياته بذور فنائه.
ويتعلق الأمر كله بالمدة التي يستغرقها الصراع وحجم المعاناة التي يخلفها.
وإن الحالتين كلتيهما - أي نشوب الصراع وانتهاؤه - هما مسألتان تتعلقان بخيار واحد: ألا وهو خيار خرق السلام أو إحلاله.
وهو المسار الذي يجب أن ترجحه بلدان كثيرة، سواء داخل الإقليم أم خارجه.
فلا يمكن التمتع بالصحّة بدون إحلال السلام.
أصحاب السعادة، زملائي وأصدقائي الأعزاء،
لقد كان لي عظيم الشرف أن أخدمكم بصفتي مديراً عاماً للمنظّمة.
فشكراً لكم جميعاً على دعمكم لي طوال السنوات التسع الماضية - وشكراً لكم مرة أخرى على عبارات التقدير الرقيقة للغاية التي وجهتموها إلي هذا المساء.
وأنا أتطلع إلى دعمكم خلال العام المقبل - لأنكم ستظلون عاملين معي بشكل وثيق لأكثر من عشرة أشهر - وسأظل ملتزمًا بخدمتكم وخدمة شعوب هذا الإقليم بكل ما أوتيت من قوة طوال فترة ولايتي المتبقية.
شكراً جزيلاً (نطقها بالعربية).